الشيخ محمد رشيد رضا
395
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
و 179 ج 5 تفسير ) * * * وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ؟ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ هذا تعجيب من اللّه لنبيه ببيان حال من اغرب أحوال هؤلاء القوم . وهو انهم أصحاب شريعة يرغبون عنها ويتحاكمون إلى نبي جاء بشريعة أخرى وهم لم يؤمنوا به . اي وكيف يحكمونك في قضية كقضية الزانيين أو قضية الدية والحال ان عندهم التوراة التي هي شريعتهم فيها حكم اللّه فيما يحكمونك فيه ، ثم يتولون عن حكمك بعد أن رضوا به وآثروه على شريعتهم لموافقته لها ؟ اي إذا فكرت في هذا رأيته من عجيب امرهم ، وسببه أنهم ليسوا بالمؤمنين إيمانا صحيحا بالتوراة ولا بك ، وانما هم ممن جاء فيهم ( أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ ) فان المؤمن الصادق بشرع لا يرغب عنه إلى غيره الا إذا آمن بان ما رغب اليه شرع من اللّه أيضا أيد به الأول ، أو نسخه لحكمة اقتضت ذلك باختلاف أحوال عباده . وهؤلاء تركوا حكم التوراة التي يدعون الايمان بها واتباعها لأنه لم يوافق هواهم . وجاؤوك يطلبون حكمك رجاء ان يوافق هواهم ، ثم يتولون ويعرضون عنه إذا لم يوافق هواهم . فما هم بالمؤمنين بالتوراة ولا بك ، ولا بمن انزل على موسى التوراة وأنزل عليك القرآن ، وقد يقولون انهم مؤمنون ، وقد يظنون أيضا انهم مؤمنون ، غافلين عن كون الايمان يقينا في القلب ، يتبعه الاذعان بالفعل ، ويترجم عنه اللسان بالقول . ولكن اللسان قد يكذب عن علم وعن جهل ، فمن أيقن أذعن ، ومن أذعن عمل ، لان الايمان الإذعاني هو صاحب السلطان الاعلى على الإرادة ، والإرادة هي المصرفة للجوارح في الاعمال . أما حكم الرجم في التوراة التي بين أيدينا اليوم فهو خاص ببعض الزناة . قال في الفصل 22 سفر التثنية بعد بيان ان من تزوج عذراء فوجدها ثيبا ترجم عند باب بيت أبيها : ( 22 إذا وجد رجل مضطجعا مع امرأة زوجة بعل يقتل الاثنان ، الرجل المضطجع مع المرأة والمرأة ، فتنزع الشر من إسرائيل 23 إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل في المدينة فاضطجع معها فأخروجهما كليهما إلى باب تلك المدينة وأرجموهما بالحجارة حتى يموتا - الفتاة من أجل انها لم تصرخ في المدينة ،